استيقظت كوثر في صباحٍ صافٍ، مختلف عما اعتادته الأيام القاتمة التي سبقتها. بعد شهورٍ من الألم والندم، وبينما كانت زوايا المكتبة تحتضنها بصمتها المعتاد، شعرت بنداءٍ خافتٍ يدعوها إلى الانطلاق نحو بداية جديدة. جلست على مقعد خشبي قديم، واستخرجت دفترها وقلمها، فبدأت تُسطر كلماتها كأنها رسالة إلى نفسها تُخبرها: «اليوم أُعيد كتابة قصتي».
لم تعد تلك الرسائل المرة التي كانت تُصلها من سليم، ولا تلك الأصوات التي تذكرها بخيبات الأمل؛ فقد أصبح الماضي مجرد دروس تُرشدها نحو فهم أعمق لذاتها. تذكّرت كلمات والدتها في تلك الليلة الحالكة حينما احتضنتها بين دموعٍ مختلطة بالألم والحب، وقالت: “الإندماد آيةٌ من آيات الوعي، لكن لا تجعليه قيدًا يمنعك من الطيران”. فابتسمت كوثر لنفسها، ورأت في كل صفحة من صفحات الكتب ملاذًا يُعيد إليها بريق الحياة.
أما سليم، فقد ظل يتخبط بين شظايا ماضيه الذي صُنع منه وجزءٍ من هويته المكسورة؛ فقد بدأ يتساءل في صمتٍ عن سبب تلك الفراغات التي ملأتها الكلمات الباردة. في لحظات الوحدة القاسية، وقف أمام مرآته يبحث عن صورةٍ مختلفة عن ذلك الشاب الذي طالما عاش على هامش الوجدان، لكن الإجابات كانت تتوارى خلف زوايا من الذكريات التي لا ترحم، لم يكن شخصا سويا لأن كل ما حصل معه لم يجعل منه أفضل بل أصبح أسوء من أي وقت مضى حيث صارت كل لقاءاته مع الأصدقاء والمعارف تتخللها قصص دائمة عن كوثر يختار فيها سليم تفاصيل تُظهِرها بصورةِ ضعيفة ومخطئة، وكأنّه يرغب في إعادة كتابة قصتهما لتتناسب مع خياله المُتوهّم. كان يُقول بلهجةٍ جافةٍ:
«تلك الفتاة لم تكن إلا وهمًا جميلًا، وعداءً خفيًا يستحق كل كلمة مسمومة».
وفي كل مناسبة، كان يحكي عن العلاقة التي جمعتهما، ليُسلّط الضوء على زواياها التي لم يتهافت عليها أحدٌ من قبل، تاركاً وراءه سحابةً من الشك والريبة بين مستمعيه.
كانت تلك الكلمات ليست سوى صرخةٍ صامتةٍ عن قلبٍ تائهٍ بين الندم والغضب، يحاول من خلالها أن يُلمّع صورته المشوهة. كلما زادت الكلمات السامة التي يُطلقها، اشتدّت الوحدة التي تحاصره، وكأنّها تحاول تفريغ ذاك الألم الذي لم يجد له مخرجا.
بينما كانت كوثر تُراجع أوراق الامتحانات وتستمع لضحكات تلاميذها البريئة، أدركت أن الحياة لا تزال تُبشر بغدٍ أفضل. فقد وجدت في نظراتهم براءة القلب وسلام الروح، ما دفعها لتقرر أن تُعيد لنفسها مكانةً تستحقها، بعيدًا عن الوعود الكاذبة والكلمات المعسولة. في تلك اللحظة، أخذت هاتفها، لتستقبل رسالة جديدة، لكنها لم تعد من رقمٍ غريب أو من سليم؛ بل كانت رسالة داخلية من نفسها، تهمس: “دع الماضي ينقضي، فكل يوم هو بداية جديدة”.ولكن قبل أن تدع الماضي ينقضي قررت أن تكتب آخر رسالة لسليم الذي لا يكف عن ازعاجها بكلامه عنها، فتحت آخر شات بينهما والذي كانت آخر رسالة فيه قد أرسلها سليم يقول فيها أنه لن يسامحها وأنها أشبه بالشيطان في تصرفاتها وأخبرها بأنها لا تستحق أن يحبها أحد لأن مثلها وجدو كي يبقو وحيدين…كان كلامه قاسيا جدا رغم أن كل ما فعلته هو أنها ابتعدت عندما شعرت أنها ليست في المكان المناسب ولا مع الشخص المناسب. مسحت الرسائل كلها بينهماوبدأت شاتا جديدا فكتبت :
يا قاطع حبال الود بيننا، أرجوك لا تفجُر في خصامنا
سليم،
ما كنت أظن أن الخصومة تُلقي بنا في هذا الوحل، ولا أن العِشرة التي جمعتنا تصبح نهبًا للكلمات الجارحة. كنتُ أظنك أرفع من أن تلوك اسمي بين المجالس، وأسمى من أن تُلقي بظلالك السوداء على سمعتي وسمعة أهلي، وخاصة أبي المتوفّى، الذي عاش ومات والكلّ يحلف بشرفه ونزاهة أهل بيته.
لم أكتب إليك لأستجدي عطفك، فقد كفاني ما عانيته في حبك ثم في بُعدك، ولا لأذكّرك بما كان بيننا من ودٍّ، حقيقيًّا كان أو زائفًا، لكني أكتب لأنصف نفسي أمامك قبل أن أنصفها أمام الناس. ما جرى بيننا شأنٌ بيني وبينك، والله يشهد أنني، رغم الألم، كنتُ لودِّك صائنة. ما حصل بيننا ليس حطبًا يُلقى في نار الغريب ليحترق به اسمي.
أتوسّل إليك، لا ضعفًا، بل اتقاءً لعاقبة لا تُحمد، ألا تجعلني حكاية على ألسنة المارّة، وألا تترك لغيظك أن يمسّ ما لا يُمسّ.
كن نبيلاً، كما عرفتُك يومًا، أو كما ظننتُك يومًا، وكما تمنّيت أن تبقى. فإن كان لا بُدّ من الخصومة، فلا تفجُر فيها.
كوثر
وفي مساء أحد أيام الخريف، جلست كوثر على شرفة منزلها الصغير، حيث كان ضوء القمر يُداعب أوراق الشجر بهدوء. استرجعت مشاهد الأيام الماضية، وتذكرت أن الألم، وإن طال، لا يبقى إلى الأبد. لقد تعلّمت أن لكل جرح زمنًا يشفيه، وأن الروح القادرة على التجدد تخلق من الألم درسًا يضيء الدروب. بهذا الإدراك، قررت أن تُسامح نفسها على ما فات، وأن تُعيد بناء ذاتها من جديد.
كانت تلك اللحظة كفاصلٍ بين زمنٍ قد مضى وزمنٍ واعد، حيث لم تعد الندم والدُموع هما عنوانها. اختارت أن تكون حرةً، أن تُعيد للدفتر صفحةً جديدة، تكتب فيها قصة امرأة تحدّت الأحزان واستمدت قوتها من عمق التجربة. ومع أولى خيوط الفجر، حملت كوثر دفترها إلى المكتبة، لتصبح الكتب رفيقها، والكلمات مرآتها التي تعكس جمال الروح بعد أن تضاءلت ظلال الألم.
وهكذا، تُختتم قصة كوثر، ليس بنهايةٍ مُرّةٍ تذكّر بالماضي، بل ببدايةٍ ناعمةٍ تُشرق على قلبٍ تعلم أن الألم قد يكون معلمًا، وأن لكل جرح فرصةً ليُثمر شفاءً ينير الطريق. ففي غمرة الهموم، ينتج الوعي، وفي كل نهايةٍ، يولد بزوغ فجر جديد.
عندما تُغلق صفحات الماضي، يُفتح كتاب جديد على ضوء الأمل. وفي كل حرفٍ تُكتب فيه قصة الانتصار على الذات، تصبح تلك القصص نبراسًا يُضيء الدروب لكل من تاه في ظلمات الحياة. هذه ليست نهاية، بل بداية لحياة تُكتب من جديد بأحرفٍ من نور.
النهاية.

Comments