top of page
Search

حب استخسار

Updated: Mar 4


كانت فاطمة تعلم، منذ البداية، أن زواجها من أمين لم يكن قصة حب كما تمنت. لأنه رأى فيها زوجة مناسبة: ناجحة، مهذبة، من عائلة محترمة، ولم تكن تعارض طموحه ولا هواياته. أما الحب، فقد كان يأمل أن يأتي مع الوقت، أن يصنعه العِشرة والودّ.


لكن الوقت مرّ، ولم يأتِ الحب.


عاشا معًا في الغربة، في مدينة لا تعرفهما، حيث البرد قارس والمباني شاهقة بلا روح. كانت تعمل بجدّ، تعود متعبة، ثم تبدأ دوامة أخرى من العمل داخل المنزل: تنظيف، طهي، ترتيب، اهتمام بكل تفاصيل حياة أمين، وكأنه طفل مدلل لا رجل ناضج. لم يكن يعترض على هذا، بل اعتبره طبيعيًا، كأنه حق مكتسب.


كان يقول لها بين الحين والآخر: “أنا أحبكِ.”


لكن أفعاله كانت تهمس لها بالحقيقة المرة: أنا لاأحبكي


كان يغيب بالساعات، منشغلاً بعمله وأصدقائه، لا يسأل عن يومها، ولا ينتبه لتعبها. لم يلحظ كيف بدأت ملامحها تذبل، ولا كيف صار صمتها أكثر من كلامها.


في إحدى الليالي، بعد يوم شاق في العمل، وقفت في المطبخ تغسل الصحون بينما هو جالس أمام التلفاز، هاتفه في يده، يبتسم لشيء لم تعرفه. سألته بهدوء:


"أمين هل تحبني حقًا؟"


لم يرفع عينيه عن الشاشة، قال بلا تفكير: "طبعًا، ألم أقل لكِ هذا مليون مرة؟"


ابتلعت غصتها وقالت: "لكن الحب ليس كلمات، الحب فعل. وأنا لا أرى ذلك منك."


ضحك بخفة، كأنها قالت شيئًا طريفًا، ثم ردّ بلا مبالاة: “فاطمة، لا تكوني درامية. أنا معكِ، أليس هذا كافيًا؟”


حينها فقط، أدركت الحقيقة التي كانت تتهرب منها: أمين لم يكن يحبها. لم يكن يكرهها أيضًا، لكنه ببساطة رغم انه رآها كإنسانة تستحق الحب والاهتمام لكن تفكيره وقلبه كانا دائما مع غيرها. كانت هي الراحة والاستقرار، الزوجة المطيعة التي ترتب حياته بينما كانت الأخرى أو الأخريات ملاذا لخيالة الجامح ومغامراته التي إلى اليوم فاطمة تعتقد اعتقادا جازما أنها لم تتحقق على أرض الواقع بل كانت مجرد رسائل وأفكار…


وفي تلك الليلة، قررت أن تتوقف عن خداع نفسهاوأن تنسحب فعليا من العلاقة ،فالانسحاب العاطفي لم يكن كافيا لأن تلك العلاقة استمرّت في استنزافها فكريا ونفسيا حتى أصبحت تشعر بالتعاسة في كل لحظة.


في الصباح، وضعت فنجان القهوة أمامه كما تفعل كل يوم، لكنها لم تجلس. حملت حقيبتها، نظرت إليه للمرة الأخيرة، وقالت بهدوء:


"حب الاستخسار هذا لا يستحق أن يُعاش لأنه في مصلحتك وحدك بينما أنا أحترق فيه كل يوم حتى صارت كل ملامحي رماد".


نظر إليها أمين طويلاً بعد كلماتها، وكأنه يسمعها للمرة الأولى. لكن فاطمة لم تكن تنتظر منه ردًا، لم تعد تنتظر منه شيئًا على الإطلاق.


لم يكن رجلاً سيئًا، لكنه لم يكن جيدًا أيضًا. كان يرى حبها كحقيقة مطلقة، كشيء مضمون أو حق مكتسب لا يحتاج إلى جهد للحفاظ عليه. كان يرى وجودها جزءًا طبيعيًا من حياته، مثل أثاث المنزل أو هواء الغرفة، لا يشعر به إلا حين يختنق.


لكنها شعرت بالاختناق أولاً.


وقفت أمامه، بكامل هدوئها، لكنها كانت تحمل في عينيها تعب السنوات كلها، ثم أكملت بصوت ثابت:


"ربما أحببتني يومًا، لكنك أحببت راحتك في وجودي أكثر مما أحببتني أنا. أحببت أن أكون هنا، موجودة، متاحة، مهتمة، دون أن تتكلف عناء أن تراني حقًا. اكتفيت بإبهاري في البداية، ثم بدأت تستخصر فيّ حتى المشاعر. تلاشت الهدايا، جفت الورود، وبقيت أنا وحدي… جافة مثلهن".


أشاحت بوجهها بعيدًا للحظة، كأنها تزن كلماتها القادمة، ثم قالت بهدوء أكثر حدة:


"لم تنتبه يوم ألقيت الورود التي جمعتها لسنوات في سلة المهملات، ولا حين انسحبت عاطفيًا من العلاقة ، ولا حين توقفت عن انتظارك. لم يعد غيابك يؤلمني ولا وجودك يسعدني. ظللت أرتدي خاتم زواجنا حتى بعد أن انتهى كل شيء، ليس لأنك كنت تعني لي، ولكن لأنني أحببت فكرة الاستقرار، حتى وإن كان زواجي منك مجرد قشرة فارغة بدت براقة من الخارج جوفاء من الداخل".


رفعت يدها أمامه، خلعت الخاتم ببطء، ووضعته على الطاولة بينهما وقالت:


"لكنه لم يعد يعني لي شيئًا."


ثم استدارت، ومشت بثبات نحو الباب.


لم يحاول إيقافها. ربما لأنه لم يعرف كيف. ربما لأنه، ولأول مرة، فهم ما كانت تعنيه.


النهاية



 
 
 

2 comentarios

Obtuvo 0 de 5 estrellas.
Aún no hay calificaciones

Agrega una calificación
Obtuvo 5 de 5 estrellas.

This made me reflect on my current relationship... I can relate... unfortunately...

Still thank you for this meaningful story... we don't have to be long where we don't belong... that's the moral of the story

Me gusta
Contestando a

👏🏻👏🏻👏🏻 you got it

Me gusta
Post: Blog2_Post

Dubai

  • Facebook
  • Twitter
  • LinkedIn
bottom of page